تحدّي الصفحة البيضاء

كتب: حسين المتروك.

الصفحة البيضاء قد تُشكّل تحدّي لا يُمكن هزيمته بالطُرق التقليدية، فأن تتسلّح بقلم لا يعني أن تستطيع هزيمة هذه الصفحة، وأحياناً يُصبح الأمر مُملاً جداً وتبقى أنتَ في حالة من النقاش الدائم مع ذاتك: هل أستطيع هزيمة هذه الصفحة؟ وللأسف أعرف الكثير من الأصدقاء الذين حاولوا في البداية وتمكنوا من هزيمة هذه الصفحة إلا أنّهم فشلوا في وقتٍ لاحق، ورفعوا الرايات البيضاء، بكل هُدوء انسحبوا من عالم الكتابة، وللعديد من الأسباب وأهمّها، تحدّي الصفحة البيضاء.

هُناك الكثير من التقنيات التي أوصى بها الكثير من الكتّاب حول العالم، إلا أنّ بعض الكُتّاب اعتقدوا أنّ هذه التقنيات هيَ وصفات سحرية يُمكنها حل المعضلات بمجرّد القراءة عنها، أو حتّى بمجرّد تجربتها من أوّل مرّة، للأسف لم يفهم هؤلاء الكتّاب أنّه لا توجد طريقة مُختصرة للكتابة، ولا توجد تقنية بإمكاني نقلها لكم عن كبّار الكتّاب بإمكانها تغيير حياتكم الكتابة للأبد إذا لم يلتزم بها الكتّاب بطريقتهم الخاصّة، فعلى سبيل المثال لو نصحتكم بالدفتر الصغير الرائع الذي يبقى معكم 24 ساعة وتدوّنون به كلّ ومضة تظهر أمامكم، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تغريدة جميلة أثارت لديكم تساؤل، تدوّنوها مع مصدرها بشكل طبيعي، وبعدها تتقلّب في عقلكم الباطني، وعندما تبدؤون بالكتابة ستجدون بعض الحبر يسيل، ولكن تخيّلوا أنني نقلت هذه التجربة، وبعض الكتّاب الباحثين عن صنع شيء، عرفوها ورحلوا محاولين الثرثرة حول هذه النقطة، وعدم العمل بها فعلياً!، الكتابة عمل فيه مشقّة بعض الشيء، ولكن نتائجه مُذهلة.

لا توجد طرق مختصرة للكتابة

لا توجد طرق مختصرة للكتابة

قد يأتي على رأس القائمة في النصائح التي ينقلها كبّار الكتّاب، وكبّار الكتابة الإبداعية وحلول مشاكل الكتّاب، كحبسة الكاتب، هيَ القائمة الصغيرة، وهيَ قائمة أفكار تدوّن في مكان ما، (أنصحكم بشكل خاص، عند شراء دفتر للأفكار، يكون دفتر تسمح لنفسك بالكتابة فيه بكل الأشكال، أفقي عمودي، دائري، المُهم هوَ الكتابة، لا الحفاظ على جمال الدفتر)، هذه القائمة تأتي عبر المُلاحظة اليومية للأمور التي تمرّ أمامكم، وهيَ طريقة للانطلاق، عندما تأتي لحظة الكتابة، افتحوا الدفتر وابحثوا عن موضوع يهمّكم الآن، واكتبوا، لا تسمحوا لعقولكم بالعبث كثيراً، فالعقل قد يوقفكم عبر الإيحاء بأنّ الموضوع سيء، ويكون هوَ الناقد الذاتي القاتل لكلماتكم!، مرحلة النقد تأتي بعد الكتابة – نصيحة أخرى، لا تقسوا على أنفسكم-.

من أجمل النقاط التي قرأتها في أحد كُتب الكتابة الإبداعية وللأسف لا أذكر مصدرها، هيَ أن تكتب (أنا أتذكّر …) وبعدها تنطلق مع ذكرياتك، ستجد شيء مُثير للاهتمام حتماً، وتغوص فيه، وتذكّر هُناك بعض الأمور أنتَ تُحبّها بشكل كبير، وأشياء تكرهها بشكل كبير أيضاً، هذه الأمور تُساعد في الكتابة، وتعطيك كلمات إضافية!، جرّبوا وصف مكان أحببتموه سابقاً، فوصف الأماكن يُمطر الكلمات على صفحاتكم، فأنتم عندما تصفون مكان، ستتعرفون على الألوان والأصوات والروائح، هذا المكان سنحبّه عندما نقرأ كلماتكم عنه، لأنّكم أحببتموه، لا تكتبوا أحببنا المكان، صفوه لنا، اجعلونا نرغب بالوصول إليه دون أن نشعر.

أقسى اللحظات أيضاً هي حديقة خصبة للكتابة، الرحيل بكل أشكاله، يعطي قوّة للكلمات لم تشاهدوها مسبقاً، بل لم تتعرّفوا عليها أيضاً، جرّبوا البحث عن قصيدة تُحبّونها وانطلقوا من أحد المقاطع ستجدون شيء مُختلف ظهر معكم.

ابدؤوا بالبحث عن طريقتكم الخاصّة في عالم الكتابة، طريقتكم في استكشاف كلماتكم، ستجدون الكثير، وستكتبون أمور جميلة تُثري العالم أجمع، تذكّروا ليس كُل ما يُكتب ينال رضا البشر، أنتم بحاجة لشخص واحد يدفعكم للأمام، وأحياناً يكون هذا الشخص هوَ أنتم، فالكتابة عمل يحتاج للمُساندة بشكلٍ ما.

نُشِرت في نصائح الكتابة | 5 تعليقات

أناييس نن: لماذا الفيض العاطفي ضروريٌ للكتابة والإبداع؟

nin

الفن العظيم ولد من مخاوف عظيمة

 

كتبت: ماريا بوبوفا
ترجمة: ريم الصالح – الكويت. 

شيءٌ ما يولدُ دوماً من الفيض؛ الفن العظيم ولد من مخاوف عظيمة، من وحدةٍ عظيمة، من كبتٍ وعدم استقرارٍ وعوائق عظيمةٍ أيضاً. ولكنه كان دوماً السبب في اتزان أصحابه.

كان المجلد الثالث من “يوميات أناييس نن” تحت مناقشاتٍ عديدة في الأسابيع الأخيرة، لما احتواه من تأملاتٍ فكرية عميقة لا يحدها زمنٌ معين حول “الحياة“، و”الحركات الجماهيرية“، و “باريس مقابل نيويورك“، و”ما الذي يخلق مدينةً عظيمة ؟”، وأخيراً “متعة الحرفة اليدوية”.

المجلد اللاحق بعنوان: “يوميات أناييس نن، المجلد الرابع 1944-1947” جاء كذلك كنزاً غنياً امتلأ بالحكمة حول كل شيء. من الحياة، إلى الحب، إلى فن الكتابة.

في الواقع، إن هبة أناييس نن تشرق بكامل بهائها عندما تتناول هذه الموضوعات وأكثر؛ في جمل بسيطة قليلة تنضح بالنضج. مثال على ذلك، الرسالة الرائعة التالية الممتلئة بالنصح، أرسلتها إلى كاتبٍ شابٍ طموح يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، يدعى ليونارد. والذي أخذته أسفل جناحيها كمعلمته الموهوبة.

” أحبُّ أن أعيش دوماً في بدايات الحياة، لا في نهاياتها. جميعنا، نفقدُ جزءاً من إيماننا تحت اضطهاد زعماء حمقى، تاريخ مجنون، والفظاظة الوحشية المرضية للحياة اليومية. إنني، وبطبيعتي، أحب دوماً أن أشرع في أن أبتدأ وأن أؤمن، وعلى ذلك فإني لأجد صحبتكَ مثمرة، أكثر من – دعني أقول- إدموند ويلسون؛ ذاك الذي يؤكد آراءه، ومعتقداته، ومعرفته كما لو كانت الحقيقة النهائية. الأشخاص الأكبر سناً يتمسكون بالأنماط الجامدة. الفضول، المخاطرة، والاستكشاف أمورٌ منسية بالنسبة لهم. أنتَ لم تكتشف بعد أن لديكَ الكثير لتعطيه، وأنه كلما ازداد عطاؤك، كلما عظمت الثروة التي ستعثر عليها في أعماق نفسك. أذهلني، بأنك شعرت في كل مرةٍ كتبت فيها قصةً؛ كما لو أنك ترسلُ حلماً من أحلامك بعيداً، كما لو أنك ازددت فقراً بذلك. ولكنك لم تفكر بأن هذا الحلم في الحقيقة غُرس عند آخر، وأن الآخر بدأ يعيشهُ أيضاً، أنكما تتشاركانه، إنها الآن بداية جديدة للصداقة والحب …]

يجب ألا تخاف، ألا تكبح نفسك، ألا تكون بخيلاً مع أفكاركَ ومشاعرك. إنها حقيقة بأن الخلق والإبداع لا يأتي إلّا من فيض. لذلك يجب عليك أن تتعلم استيعاب نفسك، أن تتشربها، أن تكون قادراً على تغذيتها، ألا تكون خائفاً من الامتلاء. إن شعور الامتلاء كالموجة العارمة، ذاك الذي يحملك، ويدفع بك بقوة نحو التجربة، ونحو الكتابة. اسمح لنفسكَ أن تتدفق، أن تفيض، اسمح لحرارتك أن ترتفع، بكل الامتدادات والقوى. شيءٌ ما يولدُ دوماٌ من الفيض؛ الفن العظيم ولد من مخاوف عظيمة، من وحدةٍ عظيمة، ومن كبتٍ وعدم استقرارٍ وعوائق عظيمةٍ أيضاً. ولكنه كان دوماً السبب في اتزان أصحابه. إذا كان يبدو لك بأنني أتنقل في عالمٍ من الأفكار اليقينية، فأنت على العكس من ذلك؛ لابد أن تستفيد من امتيازٍ شبابيّ عظيم، وهو أنك تتنقل في عالمٍ من الأحاجي والأسرار. وكلا العالمين لابد أن يُحكما بالإيمان. ”

كتاب “يوميات أناييس نن، المجلد الرابع 1944-1947” يزخر بمثل هذه الحصافة الشعرية والعملية في الوقت ذاته، حول الحياة الإبداعية، ويعد إضافةً جميلة لكتبٍ مشهورة أخرى في مجال النصح، مثل كتاب “8 قواعد لقصةٍ عظيمة” للكاتب كرت فونغت، وكتاب ” 10 نصائح لا تعد هراءً” للكاتب ديفد أوجلفي، وكتاب “11 وصية” للكاتب هنري ميللر، وكتاب “30 معتقداً وتقنية” للكاتب جاك كيرواك، وكتاب “6 مؤشرات” للكاتب جون شتانبك، وأخيراً كتاب “توليفة المعارف” للكاتبة سوزان سونتاج.

صورة | Posted on by | الوسوم: | أضف تعليق

غابرييل غارسيا ماركيز: كيف تكتب الرواية؟

المسألة ليست إذا في كتابة، وإنما في كتابتها بجدية.

المسألة ليست إذا في كتابة الرواية، وإنما في كتابتها بجدية.

هذا هو دون شك أحد الأسئلة الكثيرة التي كثيرًا ما توجّه إلى الروائي. ولدى المرء دوماً إجابة مرضية، تناسبُ من يوجه السؤال. لكن الأمر أبعد من ذلك: فمن المجدي محاولة الإجابة عنها لا لمتعة التنويع وحسب، كما يقال، وإنما لأنه يمكن الوصول من خلاله الى الحقيقة.

ولأن هناك أمراً مؤكداً على ما أظن، وهو أن أكثر من يسألون أنفسهم كيف تكتب الرواية، هم الروائيون بالذات. ونحن نقدم لأنفسنا أيضًا إجابة مختلفة في كل مرة. وأنا أعني بالطبع الكتاب الذين يظنون أن الأدب هو فن موجّه لتحسين العالم. أما الأخرون، ممن يرون أنه فنٌ مكرّسٌ لتحسين حساباتهم المصرفية، فلديهم معادلات للكتابة ليست صائبة وحسب، بل ويمكن حلها بدقة متناهية وكأنها معادلات رياضية. والناشرون يعرفون ذلك. فقد كان أحدهم يتسلى منذ وقت قريب موضحًا لي سهولة الطريقة التي تكسب بها داره للنشر الجائزة الوطنية للآداب: قبل كل شيء لابد من دراسة أعضاء لجنة التحكيم – من خلال تاريخهم الشخصي – وأعمالهم وذوقهم الأدبي. ويرى الناشر أن محصلة جميع هذه العناصر توصله إلى حد وسطي لذوق لجنة التحكيم الأدبي. ويقول:” لهذا وجدت الحاسبات الالكترونية”. وبعد الوصول إلى نوع الكتاب الذي يتمتع بأكبر الاحتمالات للفوز بالجائزة، يتوجب التصرف بطريقة معاكسة لما يجري في الحياة: فبدلاً من البحث أين هو هذا الكتاب، يجري البحث عمن هو هذا الكتاب – سواء أكان جيداً أم رديئاً – المؤهل أكثر من سواه لفبركته. وما سوى ذلك ليس إلا التوقيع على عقدٍ معه ليجلس ويكتب المواصفات المحددة، الكتاب الذي سيفوز في السنة التالية بالجائزة الوطنية للآداب. والمخيف في الأمر هو أن الناشر قد أخضع هذه اللعبة لمطحنة الحاسبات الالكترونية، وأعطته الحاسبات أن احتمال النجاح سبعة وثمانون بالمئة.

المسألة ليست إذا في كتابة رواية – أو قصة قصيرة –  وإنما في كتابتها بجدية، حتى ولو لم تبع فيما بعد ولم تنال أية جائزة. هذه هي الاجابة التي لا وجود لها، واذا كان هناك من يملك الأسباب لمعرفة ذلك في هذه الايام، فهو من يكتب الآن هذه السطور محاولا من أعماقه إيجاد حلّه الخاص لهذه الأحجية.

فقد عدتُ مؤخرًا إلى مكتبي الخاص في مكسيكو، حيث تركت منذ سنة كاملة عددًا من القصص القصيرة غير المكتملة ورواية كنتُ قد بدأت بكتبتها وأحسست أني لم أجد طرف الخيط كي تكر اللفافة.

بالنسبة للقصص القصيرة، لم أجد أية مشكلة: لقد صارت إلى سلة المهملات. فبعد قراءتها إثر سنة من الغياب الصحي، أتجرأ على أن أقسم – وربما كنت محقاً – بأنني لست كاتبها. إنها تشكل جزءًا من مشروع قديم يتألف من ستين قصة قصيرة أو أكثر تتناول حياة الأميركيين اللاتينيين في أوروبا، وكان عيب هذه القصص الأساسي والسبب في تمزيقها هو أني أنا نفسي لم اقتنع بها.

ليس لديّ من التبجّح ما يجعلني أقول أن يدي لم ترتعش حين مزقتها، ثم حيث بعثرت القصصات لأحول دون جمعها إلى بعضها بعضاً من جديد. لقد ارتعشت، ولم تكن يداي وحدهما هما اللتان ارتعشتا، لأني أحتفظ لعملية تمزيق الأوراق هذه بذكرى قد تكون مشجعة، لكنها تبدو لي مربكة.

إنها ذكرى ترجع إلى ليلة حزيرانية من عام 1955، عشية سفري إلى أوروبا كموفد خاص من صحيفة الاسبيكتادور، حين جاء الشاعر خورخي غيتان دوران إلى غرفتي في بوغتا ليطلب مني أن أترك له شيئاً ينشره في مجلة ميتو.

كنت قد انتهيت من مراجعة أوراقي، فوضعت في مكان أمين ما رأيت أنه جدير بالحفظ، ومزقت ما هو ميؤوس منه.

بدأ غيتان دوران بالبحث في سلة المهملات عن الأوراق الممزقة، بنهمه الذي لا يرتوي نحو الأدب، وخصوصًا نحو اكتشاف قيم مغمورة. وفجأة وجد شيئاً لفت انتباهه، فقال لي: “لكن هذا صالح جداً للنشر”، فأوضحت له لماذا مزقته: إنه فصل كامل انتزعته من روايتي الأولى عاصفة الأوراق – وكانت الرواية قد نشرت في ذلك الحين – ولا يمكن له أن يلقى مصيراً مشرفاً إلا في سلة المهملات.

 لم يتنفق غيتان دوران مع وجهة نظري، ورأى أن النص قد يكون فائضاً عن الحاجة في مسار الرواية ولكن له قيمة مختلفة بذاته. فخوّلته – ليس لقناعتي بوجهة نظره بقدر ما كان ذلك لإرضائه – صلاحية ترقيع الأوراق الممزقة بشريط لاصق، ونشر الفصل على أنه قصة قصيرة.

“وأي عنوان نضع له؟”، سألني مستخدماً صيغة جمع قلما كانت دقيقة كما هي في تلك الحالة. فقلت له: “لست أدري، فهاذا لم يكن سوى مونولوج لإيزابيل وهي ترى هطول المطر في ماكوندو”، وكتب غيتان دوران في الهامش العلوي للورقة الأولى، وفي الوقت نفسه الذي كنت اقول فيه: “مونولوج ايزابيل وهي ترى هطول المطر في ماكوندو”. وهكذا استعيدت من القمامة احدى قصصي القصيرة التي قوبلت بأفضل إطراء من جانب النقد، ومن جانب القرّاء على وجه الخصوص.

ومع ذلك، لم تفدني هذه التجربة في عدم مواصلة تمزيق أصول المخطوطات التي تبدو لي غير صالحة للنشر، بل انها علمتني ضرورة تمزيقها بطريقة لا يمكن معها اعادة ترقيعها ثانية.

إن تمزيق القصص القصيرة أمرٌ لا مناص منه، لأن كتابتها أمرًا أشبه بصبّ الإسمنت المسلح.

إن تمزيق القصص القصيرة أمرٌ لا مناص منه، لأن كتابتها أمرًا أشبه بصبّ الإسمنت المسلح.

إن تمزيق القصص القصيرة أمرٌ لا مناص منه، لأن كتابتها أمرًا أشبه بصبّ الإسمنت المسلح. أما كتابة الرواية فهي أشبه ببناء الآجر. وهذا يعني أنه إذا لم تنجح القصة القصيرة من المحاولة الاولى فالأفضل عدم الاصرار على كتابتها. بينما الأمر في الرواية أسهل من ذلك: إذ من الممكن العودة للبدء فيها من جديد. وهذا ماحدث معي الان. فلا الإيقاع، ولا الأسلوب، ولا تصوير الشخصيات كانت مناسبة للرواية التي تركتها نصف مكتملة.  وتفسير هذه الحالة هو واحد ايضاً: فحتى أنا نفسي لم أقتنع بها.

وفي محاولة للبحث عن حل عدت إلى قراءة كتابين اعتقدت أنهما مفيدان. أولهما هو التربية العاطفية لفلوبير، ولم أكن قد قرأته منذ أرق الجامعة البعيد، فلم يفدني إلا في تفادي التشابهات التي كانت ستبدو مريبة، لكنه لم يحل لي المشكلة. أما الكتاب الآخر الذي عدت إلى قراءته فهو بيت الجميلات النائمات لياسوناري كواباتا، الذي صفع روحي قبل ثلاث سنوات، ومازال كتاباً جميلاً. لكنه لم ينفعني هذه المرة في شيء، لأنني كنت أبحث عن أساليب التصرف الجنسي لدى المسنين، وما وجدته في الكتاب هو سلوك المسنين اليابانيين، الذي يبدو شاذاً مثل كل ماهو ياباني، وليس له أدنى علاقة دون ريب بالسلوك الجنسي لمسنّي منطقة الكاريبي.

حين تحدثت عما يقلقني على المائدة، قال لي أحد ابنيّ – وهو صاحب التوجه العملي -: “انتظر بضع سنوات أخرى وستتعرف على الأمر من خلال تجربتك الشخصية”. أما الآخر وهو فنان فقد كان أكثر دقة وتحديداً: “عد إلى آلام فارتر”، قال لي ذلك دون أي أثر للسخرية في صوته. فحاولتُ قراءته فعلاً، ليس لأني أبٌ مطيع جداً وحسب، وإنما لأني فكرت كذلك بأن رواية غوته الشهيرة قد تفيدني. لكنني لم أنته هذه المرة إلى البكاء في جنازة الشاب فارتر، كما جرى لي في المرة السابقة، وإنما لم أستطع تجاوز الرسالة الثامنة، وهي تلك التي يروي فيها الشاب المنكوب لصديقه غيليرم كيف أنه بدأ يشعر بالسعادة في كوخه المتوحد. ووجدتُ نفسي ما أزال في مكاني، حتى أنني لم أجد غرابة في اضطراري لعضّ لساني كي لا أسأل كل من التقي به: ” قل لي يا اخي، اللعنة كيف يمكن كتابة رواية؟”.

 

طلب مساعدة      

 

لقد قرأتُ يومًا، أو شاهدتُ فيلماً، أو أن أحدًا روى لي حادثة واقعية ملخصها كما يلي: أدخل ضابط في البحرية عشيقته إلى قمرة سفينته الحربية خفية، وعاشا حبًا صاخبًا في تلك الحجرة الضيقة، دون أن يكشف أمرهم أحد لعدة سنوات.

فأرجو ممن يعرف من هو مؤلف هذه القصة الجميلة أن يعرّفني به بأسرع ما يمكن. فقد سألت كثيرين وكثيرين وكانوا جميعهم لا يعرفونه، حتى بدأت أشك بأنها قد خطرت لي أنا بالذات في أحد الأيام ونسيتها. شكراً.

المصدر

نُشِرت في نصائح الكتابة | الوسوم: , | أضف تعليق

صفحات الصباح

جوليا كاميرون

جوليا كاميرون

منذ اليوم حاول أن تضبط المنبه أبكر من ساعة استيقاظك المعتادة بنصف ساعة. خصص هذه الفترة للكتابة. واذهب إليها مباشرة.

اذهب إلى الكتابة دون أن تخرج من السرير وقبل أن تغتسل وتنظف أسنانك. اذهب ونصفك لا يزال عالقا في حلم الليلة الماضية.

جوليا كاميرون، صاحبة كتاب طريق الفنان اخترعت صفحات الصباح من أجل تحقيق اتصال مباشر بينك وبين الفنان في داخلك.

الفكرة تقتضي ببساطة أن تكتب ثلاث صفحات يوميا، حتى لو ملأتها بالهراء، حتى لو كتبت” لا جدوى من هذه الكتابة العابثة، وأنا لا أصلح لشيء”، حتى لو كتبت” لا أريد الذهاب إلى العمل وهذا العالم لا يوافق مزاجي” .. أيا كان ما تكتبه، ومهما بدا ذاتيا أو سلبيا أو سخيفا أو مضحكا، فهو في النهاية جسر يأخذك إلى الكتابة في شكلها الأكثر بساطة.

صفحات الصباح، بحسب جوليا كاميرون، قادرة على تحفيز قدراتك الإبداعية، وإذا عدت لقراءتها (وينصح بأن لا تقرأها قبل مضي شهر على الأقل) فستجد سطورا تفاجئك، ويمكنك أن تصنع منها – لاحقا – نصوصا مكتملة وناضجة وجميلة.

وافِنا بالنتائج.

نُشِرت في نصائح الكتابة | الوسوم: , | أضف تعليق

حيلة للتخلص من حبسة الكاتب ..

العجز ..

العجز ..

حبسة الكاتب هي واحدة من أكبر وأقسى التحديات التي تواجه الكاتب. الأمر يتجاوز في أهميته ارتباط الكاتب بمواعيد تسليم النص لجهات النشر، إلى الإحساس بالعقم والجفاف. لا شيء أقسى على الإنسان من موهبة لا تستطيع التعبير عن نفسها.

حيلة بسيطة يمكنك تجربتها إذا شعرت بأنك عالق، أو عاجز، أو منحبس في الصمت والجفاف.

خذ ورقة وقلما واكتب أي شيء. أي جملة تسمعها. أي أغنية سخيفة عالقة في رأسك. حتى لو كتبت “مع حمد قلم” ألف مرة. تكرار الجملة أكثر من مرة من شأنه أن يسقط الجدار النفسي بينك وبين الكتابة.

خفض معاييرك، لا تتوقع أن تكتب تحفا أدبية. ما تريده باختصار هو أن تكتب، أن تكتب وحسب.

نُشِرت في نصائح الكتابة | الوسوم: | أضف تعليق

دفتر الكاتب ..

الفن يخصّب الفن

الفن يخصّب الفن

الفن يخصّب الفن.

حتى تكتب فأنت تحتاج إلى “جرعة يومية” من الفن والحياة والأسئلة. تحتاج أن تتجول في المتاحف، تتأمل اللوحات والمنحوتات، تتفرج على الأفلام، تستمع إلى الموسيقى وأن تقرأ، وأن تقرأ، وأن تقرأ.

لكي تنجح في الإتيان بعمل أدبي حقيقي أنت بحاجة إلى أن تحرر الفنان في داخلك من كاهل المجتمع، وأن تتفرغ – إلى حد معقوول – لإشباع حاجاته.

نقترح عليك أن تتخذ جورنال أو مذكرة خاصة بملاحظاتك الفنية. توثق فيها انطباعاتك عن اللوحات والسيمفونيات والقصائد التي تقرأها. حاول أن تنصت إلى تلك اللوحات والقصائد، أن تتساءل حول ما تريدُ قوله لك. أي نوعٍ من الأسئلة تمنحك؟

وجودك في بيئة خلاقة يعزز طلاقتك الذهنية والأدبية ويجعلك أكثر قدرة على الكتابة. لا تنتظر من “البيئة الخلاقة” أن تحدث إليك. اصنعها بنفسك.

نُشِرت في نصائح الكتابة | أضف تعليق

اختبار فاعلية السطر الأوّل ..

تخيل أنك في المطار ..

تخيل أنك في المطار ..

من أين تجيء البدايات الجيدة؟

كيف يعثر الكاتب على السطر الأول الذي يضمن له قارئاً يستمر حتى السطر الأخير؟ وكيف تعرف بأن سطرك الأول ناجح؟

تخيّل بأنك عثرت على متجر للكتب في المطار، والتقطت كتابًا من على الرف بالمصادفة، وقرأتَ السّطر الأول لذلك الكتاب. في تلك اللحظة بدأت مكبّرات الصوت تعلن عن النداء الأخير لطائرتك، وأمامك 20 دقيقة فقط لكي تلحق بالرّحلة.

ولكن بالنسبة للسطر الأول الذي قرأته، هل سيجعلك – في تلك اللحظة تحديدًا – تقرر أن تشتري الكتاب لكي تقرأه في الطائرة، أم لا؟

إذا اجتاز السطر الأول هذا الاختبار، فقد كتبته بشكلٍ ناجح. وبقي لك أن تنجح في بقية الأسطر.

نُشِرت في نصائح الكتابة | الوسوم: | أضف تعليق